ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
246
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
قد أسهره ذكر النار ومسألة الجبار فذلك هو الراهب وأما أنا فكلب عقور حبست نفسي في هذه الصومعة عن الناس لئلا أعقرهم فقلت يا راهب فما الذي قطع الخلق عن الله عز وجل بعد إذ عرفوه فقال يا أخي لم يقطع الخلق عن الله إلا حب الدنيا وزينتها لأنها محل المعاصي والذنوب فالعاقل من رمى بها عن قلبه وتاب إلى الله من ذنبه وأقبل على ما يقربه من ربه . وقيل لبعضهم لو سرحت لحيتك قال إني إذا لفارغ . عن رجل من أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام أنه قال صليت الصبح خلفه صلّى الله عليه وآله وسلّم عليه فلما سلم انفتل عن يمينه وعليه كآبة ( 1 ) فمكث حتى طلعت الشمس ثم قلب يده وقال والله لقد رأيت أصحاب محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم وما أرى اليوم شيئا يشبههم كانوا يصبحون شعثا غبرا صفرا قد باتوا لله سجدا وقياما يتلون كتاب الله يراوحون بين أقدامهم وجباههم وكانوا إذا ذكروا الله مادوا ( 2 ) كما يميد الشجر في الريح وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم وكان القوم باتوا غافلين يعني من كان حوله . وقال بعضهم بين ما أنا أسير في طريقي إذ سمعت صوتا فقصدته وإذا برجل يردد هذه الآية يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ( 3 ) قال : ثم غشي عليه فلما أفاق سمعته يقول أعوذ بك من مقام الكذابين أعوذ بك من أعمال البطالين أعوذ بك من إعراض الغافلين ثم قال لك خشعت قلوب الخائفين وإليك فزعت آمال المقصرين ولعظمتك ذلت قلوب العارفين ثم قال أين القرون الماضية وأهل الدهور السالفة في التراب يبلون وعلى الزمان يفنون .
--> ( 1 ) الكآبة والكآبة : الانكسار من الحزن وسوء الحال ويصرف من باب علم فهو كئيب وكئب وزان قمن . ( 2 ) ماديميد ميدا وميدانا : اضطرب وتحرك فالمعنى أنهم يضطربون عند ذكر الله ويتغير حالهم كما يضطرب الشجر عند الريح ويتمايل من جانب إلى جانب . ( 3 ) سورة آل عمران آية 30 .